ابن قتيبة الدينوري

244

تأويل مشكل القرآن

ثم قال : وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً [ الجن : 17 ] أي يدخله عذابا شاقا . يقال : سلكت الخيط في الحبّة وأسلكته : إذا أدخلته ، ومنه سمّي الخيط سلكا ، تقول : سلكته سلكا ، فتفتح أوّل المصدر . وتقول للخيط : هذا السّلك ، فتكسر أوّل الاسم ، مثل القطف والقطف . ومن الصّعد قيل : تصعّدني هذا الأمر ، أي شقّ علي . والصّعود : العقبة الشّاقة . ومنه قوله : سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ( 17 ) [ المدثر : 17 ] ثم قال سبحانه : وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ( 18 ) [ الجن : 18 ] بنصب ( أنّ ) نسق على ما تقدّم من قوله : يريد أنّ السجود للّه ، ولا يكون لغيره ، جمع مسجد ، كما تقول : ضربت في البلاد مضربا بعيدا ، وهذا مضرب بعيد . ثم قال سبحانه : وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ [ الجن : 19 ] بنصب ( أنّ ) نسق على ما تقدم من قوله سبحانه . يريد لما قام النبي ، عليه السلام يَدْعُوهُ أي يدعو اللّه كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً يعني الجنّ كادوا يلبدون به ويتراكبون ، رغبة فيما سمعوا منه ، وشهوة له . ثم قال سبحانه لنبيه عليه السلام : قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً ( 21 ) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ( 22 ) إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ( 23 ) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً ( 24 ) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً ( 25 ) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [ الجن : 21 ، 27 ] أي ارتضاء للنّبوّة والرّسالة ، فإنّه يطلعه على ما يشاء من غيبه . ثم قال : فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً [ الجن : 27 ] أي يجعل بين يديه وخلفه رصدا من الملائكة ، يحوطون الوحي من أن تسترقه الشياطين فتلقيه إلى الكهنة ، حتى تخبر به الكهنة إخبار الأنبياء ، فلا يكون بينهم وبين الأنبياء فرق ، ولا يكون للأنبياء دلالة . ثم قال : لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ [ الجن : 28 ] أي ليبلّغوا رسالات ربهم . و ( العلم ) هاهنا مثله في قوله : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ [ آل عمران : 142 ] يريد : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا تجاهدوا